334 قام ف ينا ر سول الله ص
334- قامَ فِينا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بخَمْسِ كَلِماتٍ، فقالَ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ لا يَنامُ، ولا يَنْبَغِي له أنْ يَنامَ، يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجابُهُ النُّورُ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: النَّارُ، لو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ.
الراوي : أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس.
صحيح مسلم.. الرقم: 179.
-------------
شرح الحديث؛
كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتخوَّلُ أصحابَه بالمَوعظةِ، ويَتعاهَدُهم بتَذكيرِهم بربِّهم حينًا بعدَ حينٍ، ويُعرِّفُهم ما لله عزَّ وجلَّ من صِفاتٍ لا يُضاهيه فيها أحدٌ من خَلقِهِ.
وفي هذا الحديثِ يَروي أبو مُوسى الأشعريُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قامَ في أصحابِه ذاتَ مَرَّةٍ، فخَطَبَهُم، بِخَمسِ جُمَلٍ ومَعانٍ تامَّةٍ تَشتمِلُ على مَواعِظَ وتَعاليمَ في الدِّينِ؛ فأخبَرَهمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يَأتيه النَّومُ، فهو دائمُ اليَقَظةِ، ولا يَليقُ به سُبحانَه جَلَّ شَأنُه أن يَنامَ؛ فإنَّ النَّومَ مُستحيلٌ في حقِّه جلَّ شأنُه؛ لأنَّ النَّومَ صِفَةُ نَقصٍ، ويَستَحيلُ على اللهِ عزَّ وجلَّ أن يكونَ به نَقصٌ، كما قالَ سُبحانَه: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255]، وكيفَ يَنامُ مُدبِّرُ السَّمواتِ والأرضِ؟!
وأخبَرَهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَملِكُ بيَدِه القِسطَ، وهو ميزانُ العدلِ والأرزاقِ الَّذي يَعدِلُ به بينَ عِبادِه فيُضيِّقُ ويُوسِّعُ عليهم؛ لِحكمةٍ عندَه سُبحانَه وتعالَى، وسُمِّيَ قِسطًا لأنَّ القِسطَ العَدلُ، وبالميزانِ يَقَعُ العدلُ، والمُرادُ أنَّ اللهَ تَعالَى يَخفِضُ الميزانَ ويَرفعُه بما يُوزَنُ من أعمالِ العِبادِ المُرتفِعةِ، ويُوزَنُ من أرزاقِهمُ النَّازِلةِ، وقيلَ: المُرادُ بالقِسطِ الرِّزقُ الذي هو قِسطُ كلِّ مخلوقٍ؛ يَخفِضُه فيَقتُرُه، ويَرفَعُه فيُوسِعُه.
وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يُرفَعُ إلى اللهِ تَعالَى عَمَلُ اللِّيلِ قبْلَ عَمَلِ النَّهارِ، وعَمَلُ النَّهارِ قبْلَ عَمَلِ اللِّيلِ، فما قامَ به العِبادُ من أعمالٍ صالِحةٍ أو سيِّئةٍ في ليلِهم تُرفَعُ إلى اللهِ تَعالَى، وما قاموا بها في نَهارِهم تُرفَعُ إلى اللهِ تَعالَى، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ رَفْعَ الأعمالِ لا يُتَباطَأُ فيه ولا يُنتظَرُ إلى إتمامِ اليومِ؛ فما أحدَثَ العبدُ من أعمالٍ في ليلِه مُنفصِلٌ عمَّا عَمِلَه بالنَّهارِ، والَّذي يَرفعُ الأعمالَ همُ المَلائكةُ، وهو سُبحانَه أعلَمُ بكلِّ ذلك قبْلَ رَفعِه، وفي ذلك حَثٌّ للعِبادِ أن يُراقِبوا اللهَ عزَّ وجلَّ في ليلِهم ونَهارِهم؛ فمَن كانَ هذا شأنَه وجَبَت مُراقَبتُه، وحقَّت عِبادتُه، ولزِمَ الخوفُ من عِقابِه.
وأخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى «حِجابُه النُّورُ»، أي: إنَّ هناك حاجزًا بينَ اللهُ عزَّ وجلَّ وبين خلقِه، مادَّتُه التي يَتكوَّنُ منها النُّورُ، وفي روايةٍ: أنَّ هذا الحِجابَ من نارٍ، وهذا ليس فيه تعارُضٌ؛ فإنَّ مِثلَ هذه النَّارِ الصَّافِيةِ التي كُلِّمَ بها مُوسى يُقالُ لها: نارٌ ونُورٌ، كما سمَّى اللهُ تَعالَى نارَ المصباحِ نُورًا، بخِلافِ النَّارِ المُظلِمةِ كنارِ جهنَّمَ -عياذًا باللهِ- فتِلك لا تُسمَّى نُورًا.
والحِجابُ: هو ما يُستَرُ به بين الشِّيئَينِ، ولو رفَعَ الحقُّ سُبحانَه ذلك الحِجابَ وأزالَه، لأحرَقَت سُبُحاتُ وَجهِه ما وصَلَ إليه بَصَرُه عزَّ وجلَّ من خَلقِهِ، وليس لِبَصرِه جَلَّ شأنُه نِهايةٌ ولا مَدًى؛ فإنَّ ذلك يَستَحيلُ عليه جَلَّ في عُلاهُ، ويَعني بِسُبُحات وجهِه: بَهاءه وعَظَمَتَه وجَلالَه ونُورَه.
وفي الحديثِ: أنَّ رُؤيةَ اللهِ مُمتَنِعَةٌ على جَميعِ الخَلقِ في دارِ الدُّنيا، ويُكرِمُ اللهُ بها مَن يَشاءُ من عِبادِه في الآخِرةِ.
وفيه: إثباتُ ما أثبتَه اللهُ تَعالَى لنفْسِه، من حِجابٍ أو غيرِه، على المَعنى اللَّائقِ به سُبحانَه وتعالى، دُونَ تَعطيلٍ، ولا تَشبيهٍ.
وفيه: إثباتُ صفاتِ اللهِ سُبحانَه، منَ الوجهِ، والبصرِ، ورفعِ القِسطِ، وخَفضِه، فكلُّها صفاتٌ ثابِتةٌ لله سُبحانَه وتعالى على ما يَليقُ بجلالِه.
وفيه: بيانُ استحالةِ النَّومِ على اللهِ سُبحانَه وتعالى؛ لكَونِه منَ النَّقائصِ.
وفيه: أنَّ الأعمالَ تُرفَعُ إلى اللهِ كلَّ يومٍ وكلَّ ليلةٍ.
.
ث م أخب ر ت عائ شة ر
ثُمَّ أخبَرَت عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّهم بعْدَ ذلك أقاموا الجَمَلَ الَّذي كانت راكِبةً عليه، فوجَدوا العِقدَ الضَّائعَ تَحتَه، وكأنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أخَّرهم وأقامَهم في هذا المكانِ لِيُنزِلَ عليهمُ التَّخفيفَ والتَّيسيرَ. وفي الحديثِ: بَيانُ مَشروعيَّةِ التَّيمُّمِ، وسَببِ مَشروعيَّتِه.وفيه: تَأديبُ الأبِ لابنتِه ولو كانت مُزَوَّجةً كَبيرةً.وفيه: شَكوى المَرأةِ إلى أبيها، وإن كان لها زَوجٌ.وفيه: دُخولُ الرَّجُلِ على ابنتِه، وإنْ كان زوجُها عِندَها إذا عَلِمَ رِضاهُ بذلك.وفيه: اتِّخاذُ النِّساءِ الحُليَّ، واستِعمالُ القِلادةِ تَجمُّلًا لأزواجِهنَّ.وفيه: فَضيلةُ عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها، وتكَرُّرُ البَرَكةِ منها.
.
334 خ ر ج ن ا مع ر
334- خَرَجْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعْضِ أسْفَارِهِ، حتَّى إذَا كُنَّا بالبَيْدَاءِ أوْ بذَاتِ الجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فأقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى التِمَاسِهِ، وأَقَامَ النَّاسُ معهُ ولَيْسُوا علَى مَاءٍ، فأتَى النَّاسُ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقالوا: ألَا تَرَى ما صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أقَامَتْ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسِ ولَيْسُوا علَى مَاءٍ، وليسَ معهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أبو بَكْرٍ ورَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واضِعٌ رَأْسَهُ علَى فَخِذِي قدْ نَامَ، فَقالَ: حَبَسْتِ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسَ، ولَيْسُوا علَى مَاءٍ، وليسَ معهُمْ مَاءٌ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أبو بَكْرٍ، وقالَ: ما شَاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ وجَعَلَ يَطْعُنُنِي بيَدِهِ في خَاصِرَتِي، فلا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ أصْبَحَ علَى غيرِ مَاءٍ، فأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقالَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ: ما هي بأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يا آلَ أبِي بَكْرٍ، قالَتْ: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الذي كُنْتُ عليه، فأصَبْنَا العِقْدَ تَحْتَهُ.
الراوي : عائشة أم المؤمنين.
صحيح البخاري..الرقم: 334.

--------------
شرح الحديث ؛
جاء الإسلامُ بالتَّيسيرِ على النَّاسِ في أمرِ التطهُّرِ والوُضوءِ، فأمَر بالتيمُّمِ بالتُّرابِ الطَّاهرِ وما في حُكمِه عندَ انعدامِ الماءِ، أو العجزِ عن استِخدامِه.وفي هذا الحديثِ تَروي عائِشةُ رَضيَ اللهُ عنها أنَّهم خرَجوا معَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَعضِ أسفارِه وهي غَزوةُ بَني المُصْطَلِقِ سنةَ سِتٍّ مِن الهِجرةِ، حتَّى إذا كانوا بالبَيْداءِ، أو بذاتِ الجَيشِ، وهما مَوضِعانِ بعْدَ ذي الحُلَيْفةِ بيْنَ مكَّةَ والمدينةِ، وهُم بهذا المكان انقَطَعَ عِقدٌ لها وكانَ مِن جَزْعِ ظَفارِ كما بيَّنَتِ الرِّواياتُ، وهو خَرزٌ يَمانِيٌّ يُجْلَبُ مِن ظَفَارِ على ساحِلِ البَحرِ، فنَزَلَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هناك لِلبحثِ عنه، ونَزَلَ النَّاسُ معه، وكانوا لا يَحمِلون معهم ماءً، ولا يوجَدُ أيضًا في ذلك المكانِ ماءٌ، فأتى النَّاسُ يَشْكُون إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضيَ اللهُ عنه ما صَنَعَت ابنتُه عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها بهم؛ حيثُ كانت السَّببَ في إقامتِهم بذلك المَكانِ على غَيرِ ماءٍ، وفي روايةِ الصَّحيحَينِ: «فأدرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ وليس معهم ماءٌ، فصَلَّوْا، فشَكَوْا ذلك إلى رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ».فدخَل عليها أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه ليُعاتِبَها في ذلك، وكان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نائمًا وواضعًا رأسَه على فَخذِها مُتَوسِّدًا إيَّاها، وفي ذلك إشارةٌ إلى ما كان عليه رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن طُمأنينةٍ مع عدَمِ وُجودِ الماءِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ نَومُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قبْلَ أن يَعلَمَ بعدَمِ الماءِ، فقال أبو بكرٍ رَضيَ اللهُ عنه معاتِبًا إيَّاها: حَبَسْتِ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والنَّاسَ بتأخيرِهم عن السَّفرِ! وقال ما شاءَ اللهُ مِن ألفاظِ التَّأنيبِ، وجَعَلَ رَضيَ اللهُ عنه يَطعُنُ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها برُؤوسِ أصابِعِه في خاصرتِها؛ حتَّى لا يَشعُرَ بذلك رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والخاصِرةُ هي وَسطُ الإنسانِ مِمَّا يَلي الظَّهرَ، وهمَّت عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها أن تَقومَ مِن مكانِها وتَبتعِدَ عن مَوضِعه، ولم يَمنَعها مِن ذلِك إلَّا وُجودُ رأسِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على فَخِذِها وهو نائمٌ، فلمَّا دخَل عليه الصُّبحُ استيقَظَ وهو في حاجةٍ إلى الوضوءِ، ولم يَجِدْ في هذا الوقتِ ماءً؛ فأنزَلَ اللهُ تعالى آيةَ التَّيمُّمِ الَّتي في سورةِ المائدةِ، وهي قولُ اللهِ تعالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، فتَيمَّموا بلفظِ الماضي، أي: تيمَّمَ الناسُ لأجْلِ الآيةِ، أو هو فِعلُ أمرٍ على ما هو لفْظُ القرآنِ، ذكَرَه بيانًا أو بدَلًا عن آيةِ التيمُّمِ، أي: أنزَلَ الله: {فتيَمَّموا}، وكان هذا تخفيفًا وتيسيرًا عليهم، ورُخصةً في التيمُّمِ إذا فقَدوا الماءَ، وبيَّنَتِ الآيةُ كَيفيَّةَ التيمُّمِ، وطبَّقها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في سُنَّتِه، وهي ضربةٌ واحدةٌ على التُّرابِ الطاهرِ، ثمَّ مسْحُ الوجْهِ والكَفَّيْنِ، وهنا قال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ رَضيَ اللهُ عنه: ما هي بأوَّلِ بَرَكتِكم يا آلَ أبي بكرٍ؛ فإنَّ بَرَكاتِكم كَثيرةٌ، وهذه إحْداها، ولعلَّه يُشيرُ بذلك إلى حادثةِ الإفكِ.
333 س أ ل ت ر سول الله
333- سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، هلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: نُورٌ أنَّى أراهُ.

الراوي : أبو ذر الغفاري.
صحيح مسلم ..الرقم: 178.

----------------
شرح الحديث ؛
كانت رحلَةُ الإسراءِ والمِعراجِ مِنَ المُعجِزاتِ التي أيَّدَ بها اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأكرَمَه اللهُ وأصعَدَه مع جِبريلَ إلى السَّمواتِ العُلى، حتَّى أراه الجَنَّةَ، وأراه من آياتِه الكُبرى.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ عبدُ اللهِ بنُ شَقيقٍ أنَّه قالَ لأبي ذَرٍّ الغِفاريِّ رَضيَ اللهُ عنه: لو رأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لسَألتُه عن أشياءَ كُنتُ أُريدُ أن أعلَمَها، فقالَ أبو ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عنه: عن أيِّ شَيءٍ كنتَ تَسألُهُ؟ قال عبدُ الله: كنتُ أسألُه: هل رأيتَ ربَّكَ؟ فأخبَرَه أبو ذَرٍّ أنَّه سألَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمِثل ما كانَ يُريدُ أن يَسألَه عبدُ اللهِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «رأيْتُ نورًا»، أي: ما رأيتُ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلا النُّورَ، ونُورُ اللهِ تَعالَى نُورٌ يَليقُ به وبِذاتِه، ليس له وَصفٌ أو تأويلٌ.
وقيلَ: إنَّ النُّورَ الذي رآه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما هو إلَّا الحِجابُ الذي يكونُ بين اللهِ وبينَ عِبادِه، كما عندَ مُسلمٍ من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: «حِجابُه النُّورُ، لو كَشَفَه لأحَرقتْ سُبُحاتُ وجْهِه ما انتَهى إليه بَصَرُه من خَلقِه»، إذا ما كَشَفَ عن ذاتِه العَظيمةِ لأحرَقَ ما وصَلَ إلى بَصرِ المَولى عزَّ وجلَّ ما وقَعَ عليه من خَلقِه، وليس لِبَصرِه جَلَّ شأنُه نِهايةٌ ولا مَدًى؛ فإنَّ ذلك يَستحيلُ عليه جَلَّ في عُلاه، ويَعني بِسُبُحاتِ وجهِه: بَهاءه وعظَمتَه وجَلالَه ونُورَه.
وقدِ اختُلِفَ بينَ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم ومَن بَعدَهم في رُؤيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لربِّه؛ فمِنهم مَن أثبَتَها، ومنهم مَن نَفَاها، وقيلَ: إنَّ الأغلَبَ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد رأى ربَّه، إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في كيفيَّةِ الرُّؤيةِ؛ فمِنهم مَن ذهَبَ إلى أنَّ الرُّؤيا قد وقَعَت بالقَلبِ، ومنهم مَن ذهَبَ إلى أنَّها قد وقَعَت بالعَينِ.
.
333 س م ع ت خ ال تي
333- سَمِعْتُ خَالَتي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا، لا تُصَلِّي وهي مُفْتَرِشَةٌ بحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو يُصَلِّي علَى خُمْرَتِهِ إذَا سَجَدَ أصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ.

الراوي : ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
صحيح البخاري..الرقم: 333.

----------------
شرح الحديث ؛
للمرأةِ الحائضِ أحكامٌ تخُصُّها، وليس منها ألَّا تَلمِسَ أحدًا أو يَلمِسَها كما كان عهدُ اليهودِ بنِسائِهم؛ فقد كرَّم الإسلامُ المرأةَ في الأحوالِ كلِّها، وأباح معاملةَ الحائضِ والأكلَ معها والكلامَ ونحوَ ذلك.وفي هذا الحديثِ تَروي أمُّ المؤمنينَ مَيْمونةُ رَضيَ اللهُ عنها زوجُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّها كانت في وقتِ حَيضِها ونُزولِ الدَّم عليها لا تُصلِّي في تلك الفترةِ، ومع ذلك رُبَّما تكونُ مُنبسِطةً على الأرضِ بإزاءِ وجِوارِ موضعِ سجودِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في بَيتِه، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي على «خُمْرَتِه»، وهي سَجَّادةٌ صغيرةٌ من خُوصٍ، سُمِّيتْ بذلك؛ لسَترِها الوجهَ والكفَّينِ مِن حَرِّ الأرض وبَرْدِها، وكان إذا سجَد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أصابَها بعضُ ثوبِه الشَّريفِ، وفي هذا دَلالةٌ على أنَّ الحائضَ ليستْ بنَجسٍ، ويدُلُّ على طهارةِ ثيابِها التي تَلبَسُها في حالِ حَيضِها، وأنَّها تَقرُبُ مِن المُصلَّى، ولا يَضُرُّ ذلك صَلاتَه ولا يَقطَعُها، وهذا مِن تيسيرِ الشَّرعِ على المرأةِ في كلِّ أحوالِها، ومِن تكريمِه لها، وخاصَّةً في حالِ الحَيضِ.
.
332 ع ن عبد الله بن ش ق
332- عَنْ عبدِ اللهِ بنِ شَقِيقٍ، قالَ: قُلتُ لأَبِي ذرٍّ: لو رَأَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَسَأَلْتُهُ، فقالَ: عن أيِّ شيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قالَ: كُنْتُ أسْأَلُهُ هلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ أبو ذَرٍّ: قدْ سَأَلْتُ، فقالَ: رَأَيْتُ نُورًا.
الراوي : أبو ذر الغفاري.
صحيح مسلم.. الرقم: 178.

---------------
شرح الحديث ؛
كانت رحلَةُ الإسراءِ والمِعراجِ مِنَ المُعجِزاتِ التي أيَّدَ بها اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأكرَمَه اللهُ وأصعَدَه مع جِبريلَ إلى السَّمواتِ العُلى، حتَّى أراه الجَنَّةَ، وأراه من آياتِه الكُبرى.
وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ التَّابعيُّ عبدُ اللهِ بنُ شَقيقٍ أنَّه قالَ لأبي ذَرٍّ الغِفاريِّ رَضيَ اللهُ عنه: لو رأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لسَألتُه عن أشياءَ كُنتُ أُريدُ أن أعلَمَها، فقالَ أبو ذَرٍّ رَضيَ اللهُ عنه: عن أيِّ شَيءٍ كنتَ تَسألُهُ؟ قال عبدُ الله: كنتُ أسألُه: هل رأيتَ ربَّكَ؟ فأخبَرَه أبو ذَرٍّ أنَّه سألَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بمِثل ما كانَ يُريدُ أن يَسألَه عبدُ اللهِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «رأيْتُ نورًا»، أي: ما رأيتُ منَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلا النُّورَ، ونُورُ اللهِ تَعالَى نُورٌ يَليقُ به وبِذاتِه، ليس له وَصفٌ أو تأويلٌ.
وقيلَ: إنَّ النُّورَ الذي رآه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما هو إلَّا الحِجابُ الذي يكونُ بين اللهِ وبينَ عِبادِه، كما عندَ مُسلمٍ من حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: «حِجابُه النُّورُ، لو كَشَفَه لأحَرقتْ سُبُحاتُ وجْهِه ما انتَهى إليه بَصَرُه من خَلقِه»، إذا ما كَشَفَ عن ذاتِه العَظيمةِ لأحرَقَ ما وصَلَ إلى بَصرِ المَولى عزَّ وجلَّ ما وقَعَ عليه من خَلقِه، وليس لِبَصرِه جَلَّ شأنُه نِهايةٌ ولا مَدًى؛ فإنَّ ذلك يَستحيلُ عليه جَلَّ في عُلاه، ويَعني بِسُبُحاتِ وجهِه: بَهاءه وعظَمتَه وجَلالَه ونُورَه.
وقدِ اختُلِفَ بينَ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم ومَن بَعدَهم في رُؤيةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لربِّه؛ فمِنهم مَن أثبَتَها، ومنهم مَن نَفَاها، وقيلَ: إنَّ الأغلَبَ أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد رأى ربَّه، إلَّا أنَّهمُ اختَلفوا في كيفيَّةِ الرُّؤيةِ؛ فمِنهم مَن ذهَبَ إلى أنَّ الرُّؤيا قد وقَعَت بالقَلبِ، ومنهم مَن ذهَبَ إلى أنَّها قد وقَعَت بالعَينِ.
.
332 أن ام ر أ ة م ات
332- أنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ في بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَامَ وسَطَهَا.
الراوي : سمرة بن جندب.
صحيح البخاري.. الرقم: 332.

-----------------
شرح الحديث ؛
صَلاةُ الجنازةِ على المَيتِ رَحمةٌ مِن اللهِ بعِبادِه، حيثُ يَدعو النَّاسُ للمَيِّتِ، ويَستغفِرون له، وقد كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحرِصُ على الصَّلاةِ على مَوتى الصَّحابةِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، وعلَّمَ أُمَّتَه السُّننَ والآدابَ اللَّازِمةَ عندَ الصَّلاةِ عليهما.وفي هذا الحديثِ يَروي سَمُرةُ بنُ جُندَبٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ صلَّى على امرأةٍ ماتَتْ في بطنٍ، أي: ماتتْ بعْدَ الوِلادةِ، بسَببِ وضعِ حملِها، وفي الصَّحيحَينِ: أنَّها «ماتتْ في نِفاسِها»، والمرأةُ المَيتةُ هي أمُّ كعبٍ الأنصاريَّةُ كما سمَّاها مسلمٌ في روايتِه، والمرأةُ بعْدَ الوِلادةِ تكونُ نُفَساءَ، وقد صلَّى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليها؛ لأنَّ دمَ النِّفاسِ وإن كان يمنَعُ النُّفَساءَ مِن الصَّلاةِ، فلا يمنَعُ مِن الصَّلاة عليها إذا ماتَتْ فيه، وكذلك دمُ الحَيضِ؛ فإنَّه يُصلَّى على الحائضِ إذا ماتَتْ في دمِها، كما يُصلَّى على الجُنُبِ إذا مات، وكلٌّ منهم يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه. وقيل: يَحتمِلُ أن يَكونَ المعنَى أنَّ المرأةَ ماتتْ بمرَضٍ في بَطنِها، وداءُ البَطنِ رُبَّما تَنزِفُ فيه المرأةُ الدمَ، ورُبَّما نزَل مِن فَرجِها كالحَيضِ، فإذا ماتتْ فإنَّها تُغسَّلُ ويُصلَّى عليها.وعندَ صَلاةِ الجِنازةِ على المرأةِ وقَفَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مُحاذيًا لوسَطِها، وصلَّى عليها؛ وذلك حتَّى يَكونَ أستَرَ للمَرأةِ عن أعيُنِ المُصلِّينَ خَلْفَه، بخِلافِ الرَّجُلِ فإنَّ السُّنةِ أنْ يَقِفَ أمامَ رأسِه.
.

3649838

Каналов

188290551

Сообщений