المَدينة مقبرة الأَرواح الشاعِرة وبها الأُغنيات أنين الوحيدِين
المَدينةُ مقبرةُ الأَرواحِ الشاعِرة. وبها الأُغنياتُ أنينُ الوحيدِينَ. بلا رأفةٍ تهبُّ الرياحُ على الشجَر، وبلا رأفةٍ بالحَزانى، تسقط أوراق الشجر، ليسَ من مُؤنِسٍ في الشوارع، ليسَ من مرَحٍ في العزلةِ، والفجرُ لا يأتي بجديد. عاشَ الرجلُ غبارًا على وقتِهِ، غبارًا على عاطفتِه، غبارًا على حُزنِهِ الأبَدي. عاشَ بغيرِ حاضرٍ؛ لا يرمي أمَلًا على شيء، وكانَ الحنينُ شعورَهُ الوحيدَ بين الناسِ وأمامَ تنفُّسِ العالَم، حنينٌ لحاضرٍ بعيد، وأمسٍ بعيد، وحُبٍّ بعيد، لحدِّ أن جعلَهُ بعيدًا عن نَفسِهِ، حزينًا في حُزنِهِ، كئيبَ الوجنتَينِ، مهدور الدمعِ نافرًا من أيِّ عزاء. يا لها غربةً لا تداويها الخمر ولا يطردها النوم، غربةَ المخلوق عن الخالق، والراغب عمَّا رغب، والمحب عمَّا أحَب، والرائي عمَّا يرى، تحولُ بينَهُ والحُبِّ كما تفعل نفسُ الآخَر، وتعكِّر صورةَ الوردةِ حتى تصيرَ الوردةُ أجمل، ولكنه جمالٌ يغمُّ القلب، لأنه جمالٌ ليسَ مِن هناك، ليس هناك، في ذلكَ المكان البعيدِ يُرى، حيثُ الرجلُ يقفُ مطمئنًّا أينما استوقفتهُ أُمُّهُ، الأصل، فهوَ لو كانَ ستتَّقِدُ ثانيةً شعلةُ الحياةِ فيه لكان المَحلُّ هناك، ثُمَّ يموتُ بلا لحظاتٍ أخرى عديمةِ المعنى والبهاء، لأنه يعرف، وليته ما عاش ما يكفي ليعرف، أَنَّ الجمالَ مكتوبٌ عليهِ أن يُسلَب، بل أَن يَفسِدَ حتى لا يعود جمالًا أصلًا. إن كانَ للرجلِ أن يبكي فَلْيَبكِ إذن على بَهاءٍ ما دامَ حيثُ بزَغ وجناحٍ لا يَقوى على التحليق نحو الأَعالي. إنَّ في ذلكَ خِزْيًا للروح للشاعرة، إنَّ في ذلكَ عتابًا لِبعيدٍ بعيد ونَوحًا لا يُكَفُّ بنزهةٍ أو شذرةِ فيلسوف، إنَّ للرجلِ أن يبكي في الليالي الطِوال ليلةً بعد ليلةٍ وأنَّى حلَّ من مكانٍ أو حَضرةٍ فقد انتهى عهدُهُ بالأمل وضرَّهُ الصبرُ الذي ما أجدى بعدَهُ مُجدٍ وما قَبَّلَ مُحِبٌّ آثارَ أصابعِهِ على الخدِّ من طولِ انتظار، للرجلِ أن يبكي وحيدًا تحتَ أفياءِ الشجَر، فغدًا يَعِزُّ الشجَر، وغدًا يَعِزُّ البكاء، وغدًا يَجِلُّ الحَنين، وغدًا يَنتحِر أو يَرتحِل أو يُجَن.

*عباس فاضل